فخر الدين الرازي

499

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كان على وجه الأرض عبدا أكرم على اللَّه تعالى من يعقوب عليه السلام . أما قوله تعالى : مِنَ الْحُزْنِ فاعلم أنه قرئ مِنَ الْحُزْنِ بضم الحاء وسكون الزاي ، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي . قال الواحدي : واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم : الحزن البكاء والحزن ضد الفرح ، وقال قوم : هما لغتان يقال أصابه حزن شديد ، وحزن شديد ، وهو مذهب أكثر أهل اللغة ، وروى يونس عن أبي عمرو قال : إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله : تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً [ التوبة : 92 ] وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله : مِنَ الْحُزْنِ وقوله : أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ قال هو في موضع رفع بالابتداء . وأما قوله تعالى : فَهُوَ كَظِيمٌ فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة : ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم ، ومعناه المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه ، ويجوز أيضا أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده . واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة ، فبين تعالى أنها كانت غريقة في الغم فاللسان كان مشغولا بقوله : يا أَسَفى والعين بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه وهذا مبالغة في وصف ذلك الغم . أما قوله تعالى : قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن السكيت يقال : ما زلت أفعله وما فتئت أفعله وما برحت أفعله ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد . قال ابن قتيبة يقال : ما فتيت وما فتئت لغتان فتيا وفتوا إذا نسيته وانقطعت عنه قال النحويون وحرف النفي هاهنا مضمر على معنى قالوا : ما تفتؤا ولا تفتؤ وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو واللَّه لتفعلن فلما كان بغير اللام والنون عرف أن كلمة لا مضمرة وأنشدوا قول امرئ القيس : فقلت يمين اللَّه أبرح قاعدا والمعنى : لا أبرح قاعدا ومثله كثير . وأما المفسرون فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة لا تزال تذكره ، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين . المسألة الثانية : حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب ، وقوله : حرضت فلانا على فلان تأويله أفسدته وأحميته عليه ، وقال تعالى : حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ [ الأنفال : 65 ] . إذا عرفت هذا فنقول : وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لإرادة أنه ذو حرض فحذف المضاف أو لإرادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ونفس الفساد . وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معا . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه عبارات : أحدها : الحرض والحارض هو الفاسد في جسمه وعقله . وثانيهما : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال : الفاسد الدنف . وثالثها : أنه الذي يكون لا